خاص - شبكة قُدس: لم يكن اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي حرم جامعة بيرزيت، اليوم الثلاثاء، حدثًا عابرًا، بل خطوة محسوبة ضمن سياق أوسع من استهداف الجامعات الفلسطينية، وعلى رأسها جامعة بيرزيت بوصفها إحدى أبرز ساحات الفعل الطلابي والوطني، فالجامعة التي شكّلت تاريخيًا مؤشرًا على نبض الحركة الطلابية ومختبرًا للعمل السياسي والديمقراطي، باتت اليوم في مرمى سياسة احتلالية تسعى إلى تفريغ الفضاءات التعليمية من مضمونها الوطني، وكسر أي حالة تضامن مع الأسرى وغزة والقدس، وفرض معادلة جديدة عنوانها أن لا نشاط سياسي ولا حصانة حتى داخل الحرم الجامعي.
يقول المحلل السياسي علاء الريماوي، إن جيش الاحتلال أعلن عملية عسكرية في جامعة بيرزيت اليوم، ورأى بأن سلوك جيش الاحتلال في التعاطي مع جامعة بيرزيت يكمن لتحقيق عدة أهداف أولها إيجاد حالة من الفراغ في البنى التمثيلية الطلابية والثاني منع الفعاليات ذات البعد الوطني والثالث متعلق بنوع من السيطرة.
ووفق الريماوي في حديثه مع "شبكة قُدس"، فإن جيش الاحتلال اختار التوقيت من حيث الدخول لجامعة بيرزيت في ظل تواجد 8 آلاف طالب وطالبة، ويريد إيصال رسالة أولا لجامعة بيرزيت بأنه لا نشاط مسموح ولا حصانة لأي سلوك وطني فلسطيني، والجانب الآخر متعلق بالحالة الفلسطينية بمنع الأنشطة المتعلقة بالبعد السياسي وكذلك يحمل رسالة بأن جيش الاحتلال سيقوم بالدخول والاقتحام وهذا هو الهدف الرئيسي.
وذكر الريماوي، أن جامعة بيرزيت تعد مؤشرا على نشاط الحركة الطلابية في هذه المرحلة، "وأن يتم إخضاع الحركة الطلابية في بيرزيت هذا يعني إخضاعها في الجامعات الأخرى، كما شكلت الجامعة علامة فارقة في مسألة النشاط الطلابي المتعلق بالجانب السياسي والوطني وهذا يراد وأده، وما جرى اليوم وفق الريماوي لم يكن مشهودا في السابق.
من جانبه أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد القيق، أن ما جرى في بيرزيت اليوم مرتبط باستراتيجية الاحتلال الإسرائيلي الجديدة المبنية على أساس منع أي روح مقاومة أو روح مجتمعية فلسطينية داعمة لملف الأسرى وملف غزة وملف الشهداء، والأخطر ملف القدس.
وأوضح القيق في مقابلة مع "شبكة قُدس"، أن ما جرى في جامعة بيرزيت اليوم، ليس صدفة وليس حالة انتقامية أو ردة فعل، بل هو استراتيجية ممنهجة، سبقها اقتحام للمؤسسات الإغاثية والخيرية وغيرها، وكأن الإسرائيلي اليوم يذهب باتجاه حالة الضم بالسيطرة على التجمعات الطلابية وغيرها، وهو ما يؤشر إلى منحى ذهاب الإسرائيلي للسيطرة المباشرة لمنع أي نشاط سياسي والإبقاء على نظرية أن الجامعة جامعة للدراسة فقط.
وأشار القيق، إلى أن جامعة بيرزيت تتميز بوجود حركة سياسية منفتحة وفيها تواؤم بين الفصائل أكثر من غيرها، وفيها أكثر حالة ديمقراطية في الانتخابات، والجامعة التي صوتها مسموع بسبب موقعها الجغرافي واستراتيجيتها الدولية، وبالتالي كسر الحالة السياسية لهذه الجامعة من خلال مسارين الأول الاعتقالات والاقتحامات وعمليات الترهيب وغيرها، والثاني ابتزاز ادارة الجامعة من خلال المؤسسات الدولية من أجل منع الدعم، وكذلك الدخول للجامعة وهو ما سيتكرر وقد يصل إلى حد القتل، ما سيخلق حالة داخل الجامعة يفرض على الحركة الطلابية.
وأدانت نقابة أساتذة وموظفي جامعة بيرزيت بأشد العبارات اقتحام قوات الاحتلال لحرم جامعة بيرزيت، في انتهاكٍ فجّ وسافر لحرمة المؤسسة الأكاديمية وحرمها الأكاديمي، وعلى حق الطلبة والعاملين فيها في التعليم والعمل بأمان وكرامة، والذي أسفر عن عدد من الإصابات في صفوف الطلبة من بينها بالرصاص الحي والاختناقات بالغاز المسيل للدموع، والاعتداء على ممتلكات الجامعة.
وقالت في بيان، إن هذا الاقتحام الإجرامي، وما رافقه من ترهيب للطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية والإدارية واعتداء على الحرم الجامعي، يشكّل تصعيدًا خطيرًا ويأتي في إطار سياسات الاحتلال الممنهجة لاستهداف التعليم الفلسطيني، ومحاولة واضحة لكسر إرادة الطلبة وأعضاء الهيئة الأكاديمية وقمع دور الجامعة التاريخي في إنتاج المعرفة الحرة، وترسيخ الوعي الوطني، والدفاع عن قيم العدالة والحرية.
وأكدت نقابة أساتذة وموظفي جامعة بيرزيت أن هذا الاعتداء يُعد جريمة مكتملة الأركان وفقا للاتفاقيات الدولية، وانتهاكًا صارخًا لكافة المواثيق والأعراف الدولية التي تكفل حماية المؤسسات التعليمية وتحظر عسكرتها أو اقتحامها، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف ومبادئ اليونسكو المتعلقة بحماية التعليم.
وحملت نقابة أساتذة وموظفي جامعة بيرزيت سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا الاعتداء، فإنها تحذر من خطورة الاستمرار في استباحة الحرم الجامعي، وما قد يترتب على ذلك من تهديد مباشر لأرواح الطلبة والعاملين، ومن تقويض ممنهج للحياة الأكاديمية في فلسطين. وأكدت النقابة، أن هذه الاعتداءات "لن تثنينا عن أداء رسالتنا الوطنية والأكاديمية، ولن تنجح في إسكات صوت المعرفة الحرة، ورسالتنا التعليمية والوطنية، وأن جامعة بيرزيت ستبقى، كما كانت دائمًا، منبرًا للعلم والحرية، وشاهدًا حيًا على صمود الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل الحرية والعدالة والاستقلال".
وفي السياق، أدانت مؤسسات الأسرى بأشدّ العبارات إقدام قوات الاحتلال على اقتحام حرم جامعة بيرزيت، وقالت المؤسسات في بيان صحفي إن اقتحام الحرم الجامعي، وما رافقه من مصادرة لمعدات الحركة الطلابية، وإطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز، واحتجاز نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، يُجسّد انتهاكًا فاضحًا لحرمة المؤسسات التعليمية، ويشكّل اعتداءً مباشرًا ومركّبًا على جملة من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في حرية الرأي والتعبير، وحرية العمل النقابي والطلابي، وهي حقوق مكفولة بموجب قواعد القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأكدت مؤسسات الأسرى أن هذه الممارسات ليست حوادث معزولة، بل تندرج في سياق سياسة استعمارية ممنهجة تستهدف قمع الصوت الفلسطيني، وتجريم الفعل التضامني، وضرب الفضاءات التعليمية بوصفها ساحات مركزية للفعل الوطني والمعرفي، وذلك في إطار الهجمة الشاملة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الأسرى الذين يواجهون أوضاعًا إنسانية بالغة الخطورة داخل سجون الاحتلال منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية.
ودعت مؤسسات الأسرى المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية والأكاديمية حول العالم، إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لإدانة هذه الانتهاكات الجسيمة، وممارسة الضغط الفاعل على سلطات الاحتلال لوقف اعتداءاتها المتواصلة على الجامعات الفلسطينية، وضمان الحماية للطلبة والعاملين فيها، وصون الحق في التعبير والتنظيم باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الحق في الحرية والكرامة الإنسانية.



